الأحد، 16 يناير 2011

تكست -العدد التاسع : قصائد أربع - هربرت زبغنييف ترجمة: الشاعرعبدالكريم كاصد*

قصائد أربع

شعر: هربرت زبغنييف

ترجمة: عبدالكريم كاصد*

شاعر كبير لم يتعرّف عليه قارئنا العربيّ من قبل، رغم أنّ أشعاره تُرجمتْ إلى كثير من اللغات الأخرى منذ ثلاثين سنة أو أكثر.

اقترن اسمه في بعض الدراسات النقدية بالشاعرين الأمريكيين لويل وأودن لما يتميّز به شعره من قدرة على التقاط ما هو جوهريّ في الواقع والتاريخ، عبر مظاهر الحياة اليومية وتفصيلاتها المنتقاة بدقّة وذكاء.

يقول عنه الشاعر البولوني مييوش الحائز على جائزة نوبل سنة 1980، والذي ترجم أشعاره إلى اللغة الإنجليزية سنة 1968: "إذا كان مفتاح الشعر البولوني المعاصرهو التجربة الجماعية للعقود الأخيرة فإن هربرت هو خير من عبّر عنها".

وهو على النقيض من الشعراء الذين لا يرون التاريخ إلاّ تكرارجرائم، وأوهام مملّة فإن التاريخ بالنسبة إليه درس لمواجهة تجربته الشخصية بتجربة الآخرين على حدّ تعبيره.

يذكر مييوش في مقدّمته أيضاً إنّ النقّاد في بولونيا اعتبروه الشاعر الأكثر كلاسيكية من مجايليه رغم أنّه، مثلهم، لا يعتمد الأوزان والإيقاعات التقليدية إلاّ نادراً وقد جعلته سخريته في قصائده التاريخية خاصة بمنأى عن صرامة ما هو تقليديّ، دون أن يتخلّى عن قيمه الجادّة، فشعره محكم البناء وهو لا يسمح للغة أن تجرفه وإن كانت هي ما يكوّن عالمه الخاص.

ولد هربرت في لفوف التي ضمت إلى روسيا، فيما، بعد سنة 1924. ناضل في صفوف المقاومة السرية أثناء الاحتلال النازي، وفي هذه الفترة كتب أولى قصائده. وحين انتهت الحرب درس القانون والإقتصاد والفلسفة في جامعات مختلفة. أصدر تسع مجموعات شعرية أثناء حياته آخرها ديوانه (خطاب ختامي إلى عاصفة) الذي صدر سنة 1988 قبل وفاته ببضعة أشهر.

قام برحلات عديدة إلى أوربا في الخمسينات وضمّن كتاباته عنها في كتابه (بربريّ في الحديقة)، كما أمضى عدّة سنوات(1970-1965 ) في برلين الغربية بدعوة من إحدى جامعاتها، وسنة واحدة (1971-1970) في الولايات المتحدة حيث عمل مدرساً في إحدى جامعاتها في لوس أنجلس. وفي هذه الفترة أصدر ديوانه الرابع (نقش). عاد بعدها إلى بولندا ليصدر مختارات ضمت معظم القصائد التي احتوتها دواوينه الأربعة الصادرة آنذاك.

كاليغولا

يشعر السيّد كوجيتو أحياناً، بعد قراءته أحداث التاريخ، والملاحم، والسير، أنّه على يقين من الحضور الجسديّ للأموات.

يقول كاليغولا:

من بين جميع مواطني روما

لا أحبّ سوى مواطنٍ واحدٍ:

حصاني- أنستاتس

حين دخل مجلس الشيوخ

كان رداؤه الرومانيّ الفضفاض

يشعّ نقيّاً وسط القتلة

المتلفعين بأردية أرجوانية زيّنتها الزنابق

لحصاني فضائل جمة:

لا يلقي خطباً في جمهورٍ أبداً

وله زهدُ رواقيّ

وأظنّه يقرأ الفلسفة، لاشكّ، في إصطبله في الليل

أحببته جدّا وفي يومٍ ما قررتُ أن أعدمه

لم يسمح لي نبل طبيعته

لقد استقبل شارة القنصل الممنوحة له بلا مبالاة

واستخدم سلطته بأفضل أسلوبٍ ممكن

ألاّ يستخدمها ابداً

لم ننجح في جعل علاقته راسخة

بزوجتي العزيزة كاييسونيا

ومن المحزن ألاّ تكون هنالك شجرة نسبٍ لأباطرةٍ قنطوريين

لذا سقطت روما

عزمت أن أجعله إلها

لكن في اليوم التاسع قبل اليوم الأول من فبراير

نشيرييا كورنيليوس سابينوس وآخرون من الحمقى

أعاقوا التصديق على خطتي الورعة

ً

نبا موتي تلقّاه برباطة جأش

ألقوه خارج القصر ونفوه

تقبل تلك الضربة بسموّ

مات بلا خَلَفٍ

مذبوحاً على يد قصّاب جلف من بلديّة أيتوم

أما مصير لحمه بعد الموت

فلا شئ لدى ساتيسيوس ليقول





هاوية السيد كوجيتو

في البيت ثمة أمان دوماً

ولكن ما أن يغادر السيد كوجيتو بيته

ويضع قدمه على العتبة

في جولته الصباحية

حتّى تقابلهُ الهاوية

إنها ليست هاوية باسكال

ولا هاوية دستوييفسكي

إنها هاوية

بحجم السيد كوجيتو

أيّام بلا قرار

أيام محفوفة بالخوف

إنها تتبعه كظلّه

تنتظره أمام المخبز

وفي الحديقة تقرأ الجريدة

من فوق كتف السيد كوجيتو

مضجرة مثل أكزيما

وفيّة ككلب

وهي لضحالتها أضأل من أن تلتهم

رأسه وذراعيه ورجليه

ربّما في يومٍ ما

تمتلئ الهاوية

تكبر

وتغدو جدّية تماما

لو يعرف ماذا تشرب

لو يعرف ماذا تأكل

الآن

بإمكان السيّد كوجيتو

أن يلتقط قليلاً من الرمل

ليملأها

لكن لم يفعل

لذلك

حين عاد إلى البيت

ترك الهاوية

عند العتبة

وغطّاها عامداً

بما هو مستعمل من ثيابٍ قديمة








حكاية مسمار

لافتقادها إلى مسمار، تنهار المملكة

- هذا ما تقوله حكمة الجدّات-

لكن في مملكتنا لم توجد مسامير منذ زمن طويل ولن توجد،

لا صغيرة لتعليق اللوحات على الحائط أو ضخمة لغلق التوابيت

ولكن على الرغم من ذلك أو بسبب ذلك

تقوم المملكة بل هي موضع إعجاب ممالك أخرى

كيف ترى يقوم شئ ما بلا مسمار..ورقاً كان أم وتراً،

طابوقاً كان أم أوكسجيناً.. حريّة .. ايّ شئ كان؟

ومن الواضح أن ذلك ممكن ما دامت المملكة باقية.

فالناس في مملكتنا يعيشون في البيوت لا في الكهوف

والمعامل تطلق دخانها

وعلى السهوب يشقّ القطار طريقه عبر الغابات

وتطلق السفينة صفارتها على المحيط البارد

ثمة جيش وشرطة وختم رسميّ ونشيد وطني وعلم

وظاهرياً كلّ شئ هنا شبيه بما هو في أيّ مكان في العالم

لكن هذا في الظاهر حسب

فمملكتنا ليست من صنع طبيعة أو بشرٍ

تبدو وكأنها شُيّدت على عظام ماموث

فهي ضعيفة في الواقع

معلقة بين العقل والفكرة، بين الوجود والعدم

ماهو واقع ورقة أو صخرة يسقط

غير أن الأشباح تعيش طويلاً بعناد

رغم شروق ثورات الأجساد السماوية وغروبها

على الأرض المخزية تسقط أشياء ودموع







ما الذي يفعله أجدادنا لنا

هذا الصباح جاءني جاك

حلمتُ بوالدي

- قال-

كان ممتطياً تابوتاً

وأنا أسير إلى جانبه

التفتَ إليّ وقال:

ألبستني جيّداً

وأعددتَ لي جنازة مهيبة

لا بدّ الأزهار تكلّف كثيراً

في هذا الوقت من العام

ولا يهمّك يا أبي

- قلت-

دع الناس يرون كم نحبّك

فلا نوفر لذلك شيئا

فكّر الأب قليلاً

ثمّ قال:

مفتاح المكتب

في المحبرة الفضيّة

مازال هنالك بعض النقود

في الدُرْج الثاني على اليسار

بهذه النقود

- قلت-

سنشتري شاهدة كبيرة

من المرمر الاسود

لا ضرورة لذلك

- قال الأب-

من الأفضل أن توزّعها على الفقراء

ستة أشخاص في بدلات سود

يسيرون إلى جانبنا

يحملون فوانيس تشتعل

ثانية يبدو أن ابي مستغرق في التفكير

- خذ بالك من الزهور في الحديقة

غطّها جيّداً في الشتاء

لا أريد لها أن تموت

أنت ولدي الأكبر

- قال-

في الكيس المصنوع من اللباد وراء اللوحة

خذ زريّ كُمّ القميص المطعمين باللؤلؤ

دعهما يجلبا لك الحظ

اهدتني إياهما أمي

حين تخرجت من المدرسة العليا

ثمّ لم يقل شيئاً

لا بدّ إنه في سباتٍ عميق

هكذا أمواتنا

يسهرون علينا

يحذروننا في الأحلام

يعيدون إلينا نقودنا المفقودة

يدبّرون لنا الوظائف

يهمسون لنا بأرقام أوراق اليانصيب

وحين لا يقدرون على ذلك

يقرعون نوافذنا بأصابعهم

وعرفاناً لهم

نتخيل أبديّة مريحة لهم

كجحر فأر

*شاعر عراقي

للعـــــودة للصفحة الرئيسة – العــدد التاسع